الشيخ محمد السند
205
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
العميق العالي . فإنّ جملة من المعارف الحقّة لم تكن في صدر الإسلام بتلك الدرجة من الوضوح والبداهة ، ولكن بفضل جهود أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم استطاعوا أن يوضّحوها لعقول عموم الأمة ويصل بتلك العقائد إلى درجة البداهة . وذلك نظير تنزّه الباري تعالى عن الجسمية والشبه والمثل ، ونفي الجبر والتفويض ، وكون الجنة والنار مخلوقتين ، وتبيان صفة العدل في الباري تعالى ، وكون القرآن ذا منازل ومواقع غيبيّة ، وعصمة الأنبياء والمرسلين وتنزيههم عن الزلل والقبايح ، وتبيين كمال الشريعة الإسلامية ودين اللَّه ، وأنّ للَّهتعالى في كل واقعة حكماً وإن جهله العباد ولكن يعلمه المستحفظين للكتاب من الربانيين الأوصياء ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجة للَّهتعالى بعد النبي وهو الإمام الذي تأتيه أخبار السماء وإن لم يكن ذلك وحياً نبوّياً ولكنه علم لدنّي من اللَّه تعالى ووراثة لعلوم النبي وللكتاب العزيز . إلّا أنّ جملة من المباحث والمسائل المرتبطة بمعرفة الإمامة أو شؤون نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن قد تجلّت بوضوح في تلك الآونة والفترة وإن كانت موادّ وحي كتاب اللَّه العزيز والسنة المطهّرة حاوية لكل ذلك ولأعماق غزيرة من بحور لا تنفد . فأبواب المعارف في ذهنية عامة أجيال المؤمنين - لا أجيال نخب المؤمنين - فضلًا عن المسلمين قد مرّت بمراحل في الوعي والفهم والإدراك والتدرّج في عمق وسعة المعرفة ، فجملة من المعارف في الإمامة ومقاماتها التي تعدّ في أفق البحث العلمي في هذه الأعصار من الواضحات وأنّها مطابق للموازين والقواعد ومحكمات الكتاب والسنّة ، ولا يتوهّم فيها غلو أو إفراط من القول - لأنّها لا تخرج للمخلوق الذي اصطفاه نبياً أو إماماً عن العبودية والافتقار إلى الباري تعالى ، وإنّما هي مقامات عظيمة ، إلّاأنّ عظمتها ولو بلغت العرش العظيم فهي مخلوقة قائمة به تعالى ومن فيضه وإنعامه لا تخرج عن حيطته وقدرته وإرادته ومشيّته - لكنّها كان